NATURE | تحقيق إخباري

بروتوكول كيوتو: هواء ساخن

بانقضاء عام 2012، تنقضي الالتزامات التي تمت بموجب «معاهدة كيوتو المناخية»، لكن معدّل انبعاث غازات الاحتباس الحراري سيرتفع بصورة أسرع من أي وقت مضى.

كيرين شيرماير

Nature (2013) doi:10.1038/491656a | Download PDF | Published online | English article

بعد ثمانية أيام من التفاوض النكِد، كان الوقت المحدد لإنجاز وتسليم الاتفاقية الهادفة لإبطاء تسارع الاحترار العالمي يجري في غير صالح الوفود المشاركة بمؤتمر المناخ الذي عقد في كيوتو باليابان في عام 1997، لكن مدير المحادثات، مايكل زاميت كوتاجار من مالطة، قام باتخاذ خطوة غير معتادة لاستحضار حالة التأمل البوذية «زِن»، مُخبرًا الجميع أنهم يجب أن يكسروا الحواجز النفسية، وصولاً إلى الاستنارة. وبعد ذلك بيومين، وبعد جلسة محادثات ماراثونية استمرت طوال الليل، تمكن المفاوضون من التوصّل في النهاية إلى اتفاق المناخ المعروف باسم «بروتوكول كيوتو». وكان هذا أوّل اتفاق ـ وهو الوحيد حتى الآن ـ يُرغِم الدول الغنيّة على الحدّ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغازات الاحتباس الأخرى.

وقبل أن يجف حبر الاتفاقية، كان من الواضح أن البروتوكول يُواجه مستقبلاً متعثّرًا.. فرغم توقيع الولايات المتحدة على المعاهدة، إلا أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أشار إلى أن أكبر قوة اقتصادية في العالم لن تصدّق على الاتفاقية، مالم توافق الصين والدول النامية الأخرى على الحدّ من انبعاثاتها، وهو ما كانوا قد اعترضوا عليه قبل أن يخطو العالم المتقدّم هذه الخطوة. وبدخول «بروتوكول كيوتو» حيّز التنفيذ في فبراير 2005، كانت الولايات المتحدة قد انسحبت. وتعهّدت بقية الأطراف التي وقعت على الاتفاقية ـ 37 دولة من الدول المتقدمة، ودول الاقتصادات التي في طور الانتقال ـ على الحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة، لتنخفض عن مستويات عام 1990 بمعدل 4.2 % في الفترة الممتدة من 2008 إلى 2012.

ما بعد كيوتو

تراث معاهدة المناخ
nature.com/kyoto

وبانغلاق تلك النافذة، يمكن للبلدان التي تمسّكت بالمعاهدة أن تدّعي تحقيق بعض النجاح. وبشكل عام، حققت تلك البلاد أهدافها مع بعض الفائض، مخفّضة معدّل انبعاثاتها إجمالًا بحوالي 16 %، لكن معظم تلك التخفيضات جاءت بفضل قليل من الجهد، أو دونما جهد، وذلك بسبب تراجع الصناعات المنتجة لغازات الاحتباس الحراري في أوروبا الشرقية، وبسبب الأزمة الاقتصادية العالمية مؤخرًا.

أسهمت كذلك التخفيضات التي تعهدت بها الدول الصناعية بالنزر اليسير في مكافحة هذه المشكلة العالمية. وارتفع إجمالي الانبعاثات العالمية بنسبة 50 % منذ عام 1990، مدفوعة بالنموّ الاقتصادي في الصين وبلدان أخرى من آسيا وأمريكا الجنوبية وأفريقيا. في السنة «الأساس» 1990، أسهمت الدول المتقدمة ـ بما في ذلك الولايات المتحدة ـ بثلثي الانبعاثات العالمية. أما الآن، فقد انخفضت إسهاماتها إلى أقل من 50 %.

يقول أتي كورهولا، الباحث في السياسات البيئية في جامعة هلسنكي: «كان لاتفاقية كيوتو أثر محدود جدا على المناخ». ويضيف قائلاً: «لقد كان طموحها محدودا جدا، وكانت أدواتها خاضعة لعديد من النظم البيروقراطية، وكان فيها الكثير من الثغرات».

لقد علّمت المعاهدة واضعي السياسات دروسًا قيّمة، وربما تكون قد مهدت الطريق ووضعت الأساس لمزيد من الجهود الطموحة. لقد «كانت اتفاقية كيوتو تجربة سياسية كبيرة، وقدمت دروسا مهمة يجب الاستفادة منها لأجل المُضِيّ قُدُمًا. وكان لها عيوبها ـ ولا عجب في ذلك، فمن النادر أن توضع السياسات بشكل صحيح من المرة الأولى ـ لكن الهيكل العام ما يزال مفيدًا»، حسب قول روجر پايلكه جونيور، الذي يدرس الطاقة وسياسة الابتكار بجامعة كولورادو في بولدر.

إرث ثقيل

لقد غُرست بذور المشاكل التي تصدَّت معاهدة كيوتو لحلها قبل صياغتها بفترة طويلة. ويرجع عديد منها إلى شهر يونيو 1992، عندما حاول المفاوضون في «قمة الأرض» ـ التي عُقدت في ريو دي جانيرو بالبرازيل ـ أن يبلوروا «اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي» ¬(UNFCCC)، وهي المعاهدة الجامعة التي ستشمل اتفاقية كيوتو. كان المفاوضون في ريو دي جانيرو لا يزالون عاكفين على صياغة الوثيقة قبيل ساعات من وصول رؤساء الدول للتوقيع عليها. وتحت ضغوط من الوقت والتوقعات العالية، اضطر المندوبون للاقتباس بكثافة من المعاهدات السابقة، بما في ذلك اتفاق الحد من التسليح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوڤيتي (السابق) واتفاقية مونتريال في عام 1989، التي وُضعت لحماية طبقة الأوزون، كما تقول جوين پرِنز، التي تدرس السياسات البيئية بكلية لندن للاقتصاد، وعملت مستشارًا للوفد البريطاني المفاوض عام 1992.

تقول جوين پرِنز إن الفكرة الأساسية كانت استبدال ثاني أكسيد الكربون CO2 مكان الرؤوس الحربية النووية على هذه الدرجة من السهولة». وتتابع بقولها: «لكن اتضح أن تغيّر المناخ وَحْش أكثر شراسة بكثير ـ علميا واقتصاديا ـ مقارنةً بكيمياء طبقة الأوزون، أو الحد من الأسلحة النووية».

تسبّب اجتماع عُقد في برلين عام 1995 في خلق مشكلة رئيسة أخرى، عندما قررت أطراف اتفاقية الأمم المتحدة المبدئية بشأن التغيّر المناخي تقسيم العالم إلى فئتين؛ من أجل المعاهدة المستقبلية. ستكون هناك مجموعة من الدول الغنيّة التي تضطلع بمسؤوليات مناخيّة طموحة، ومجموعة من الدول ذات الاقتصادات الأقل نموًّا ـ بما فيها الصين ـ بدون مسؤوليات.

هذا القرار، المندرج في إطار اتفاق يُعرف بـ«تفويض برلين»، لم يلق قبولًا جيدًا من ساسة الولايات المتحدة. ففي صيف 1997، أعلن روبرت بيرد، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ولاية فرجينيا الغربية، وأحد كبار الساسة الأمريكيين في وقته: «إن تفويض برلين ـ الذي يتيح للعالم النامي التخلص من أزماته مجانًا ـ من شأنه أن يلحق ضررًا بالغًا بالبيئة العالمية في السنوات المقبلة».

كبر الصورة

وقد وافقه زملاؤه. وصوّت مجلس الشيوخ الأمريكي 95-0 لصالح اقتراح يطالب الدول النامية بالمشاركة في الالتزام بالحدّ من الانبعاثات. ونظرًا إلى أن اتفاقية كيوتو لم تتضمن أي التزامات من هذا القبيل، فلن تقبل الولايات المتحدة ـ أكبر منتِج في العالم لغازات الاحتباس الحراري آنذاك ـ بالامتثال لها.

وكانت كل من البلدان الصناعية التي التزمت بالمعاهدة مقيّدة بالتزامات فردية، استنادًا إلى حالتها الاقتصادية ومزيج الطاقة المستخدم وقتذاك (انظر «التقدم غير المتكافئ»). من بين الدول المتقدّمة، وافقت كل من ألمانيا والدنمارك على خفض انبعاثاتها بنسبة 21% مقارنةً بمستويات عام 1990، في حين سُمح للبرتغال ـ ذات الاقتصاد الأقل نموًّا ـ بزيادة انبعاثاتها بنسبة 27 %.

شملت اتفاقية كيوتو أربعًا من غازات الاحتباس الحراري الرئيسة ـ ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروز، وسادس فلوريد الكبريت ـ ومجموعتين أخريين من الغازات: هيدروفلوروكربون، والمركبات الكربونية المشبعة بالفلور، لكنها لم تشمل قوة أخرى مساهمة في الاحترار: جزيئات السخام السوداء الناتجة عن الاحتراق غير الكامل للخشب والوقود الأحفوري.

ويمكن للبلدان الوفاء بالتزاماتها عن طريق خفض الانبعاثات الخاصة بها، أو عن طريق شراء حصص انبعاثات من دول أخرى تجاوزت مستوى التخفيضات المطلوبة منها. كما يمكن للبلدان الغنية أيضًا الحصول على رصيد (خفض انبعاثات) بالاستثمار في تقنيات منخفضة الكربون بالبلدان النامية.

كانت المهمّة سهلة بالنسبة إلى معظم دول وسط وشرق أوروبا: فالانبعاثات الصناعية كانت مرتفعة في السنة الأساس، لكنها انخفضت إلى المعدّل المطلوب عند توقيع المعاهدة. وبحلول عام 2010، كانت انبعاثات روسيا من ثاني أكسيد الكربون أقل بنسبة 34 % مما كانت عليه في السنة الأساس (مع استثناء تخفيضات تعزى لتغير استخدام الأراضي) كما انخفضت انبعاثات أوكرانيا بنسبة 59 %. وتمكنّت المملكة المتحدة بسهولة أيضا من تحقيق هدفها في خفض انبعاثاتها بنسبة 12.5 %، وذلك بفضل إغلاق عديد من مناجم الفحم، وما تبعه من انخفاض مماثل في استهلاكه.

ومؤخرًا، ساعد الانكماش الاقتصادي على الحدّ من الانبعاثات. ويقدر الخبراء الاقتصاديون أن انخفاض استهلاك الطاقة بين عامي 2007 و2008 قد أدى إلى تراجع الانبعاثات من البلدان المنضوية تحت بروتوكول كيوتو بنسبة 2 %، وأن هذا الانخفاض مستمر، بسبب التعثّر الاقتصادي.

وقد تضاءلت أهمية هذه الانخفاضات التي تحققت بموجب المعاهدة، نظرًا إلى ازدياد انبعاثات لا يغطيها الاتفاق، ولا سيما في آسيا. فمنذ 2000، تضاعفت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ثلاث مرات في الصين تقريبًا، وبلغت حوالي 10 مليار طن، كما تضاعفت تلك الصادرة عن الهند إلى نحو 2 مليار طن.

ويرجع ارتفاع الانبعاثات الآسيوية جزئيًّا إلى هجرة الصناعات الثقيلة من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، التي تصنع المنتجات، ثم تشحنها بعد ذلك إلى الدول الغنية. فقد ارتفع معدّل الانبعاثات الكامنة في هذه المنتجات بين عامي 1990، و2010 بمعدل قدره 10 % سنويا، بإجمالي سنوي قدره 1.4 مليار طن، مما يتجاوز إجمالي خفض الانبعاثات التي تحققت في إطار اتفاقية كيوتو، حسب قول جلين پيترز، الباحث في السياسات المناخية بـ«مركز الأبحاث الدولي للشؤون المناخية والبيئية» في أوسلو. لذا.. يمكن القول إن المكاسب التي حققتها المعاهدة كانت خادعة، كما يرى ديڤيد ڤيكتور، الباحث في سياسات الطاقة بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو. ويضيف بقوله إن المعاهدة كانت تستند على «افتراضات اقتصادية مشكوك فيها، وأنظمة محاسبية مليئة بالثغرات».

المنطق الخاطئ

يقول أحد الافتراضات المشكوك فيه إن الوقود الأحفوري سيصبح نادرًا عمّا قريب، وسترتفع أسعاره سريعا؛ مما سيدفع البلدان إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة، لكن العالم يشهد حاليا عودة كبيرة نحو استعمال الفحم، مدفوعًا بتوفر إمدادات أصبحت أرخص بكثير، مقارنة بأنواع الوقود الأخرى في كثير من أنحاء العالم، حيث ارتفعت حصة الطاقة المستمدة من الفحم في السنوات العشر الماضية في البلدان النامية والبلدان المتقدمة. وكان هناك تحوُّل نحو الفحم في بعض أجزاء أوروبا، على الرغم من كون نظام الحد الأقصى والتجارة إلزاميًّا للحد من الانبعاثات. ونتيجة لذلك.. أصبح الإنتاج العالمي من الطاقة أكثر كثافة بالكربون خلال العقد الماضي.

ويبدو أن آباء اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي وبروتوكول كيوتو (UNFCCC) قد «استهانوا جدًّا بكمية الهيدروكربونات الدفينة بباطن الأرض»، حسب قول أوتمار إدنهوفر، كبير الاقتصاديين بمعهد پوتسدام لأبحاث التغيّر المناخي بألمانيا، والمستشار العلمي للجنة الحكومية المعنيّة بتغير المناخ (IPCC).

وقد جعلت هذه الاتجاهات في استخدام الطاقة من تثبيت الاحترار العالمي عند أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي أمرًا مستحيلًا تقريبًا بالنسبة إلى البلاد المشاركة، وهي القيمة التي اختارها الاتحاد الأوروبي، باعتبارها العتبة التي من المرجح أن تمنع تغيّرًا خطيرًا للمناخ. وتشير الحسابات1 إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون يجب أن تبقى تحت 1,000 مليار طن بين عامي 2000 و2050؛ لإعطاء العالم فرصة تصل إلى نسبة 75 %، لاحتواء ارتفاع درجات الحرارة حول درجتين مئويتين.

وقد تجاوزت الانبعاثات الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات منذ عام 2000 حتى الآن 450 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. وإذا استمر الاتجاه الحالي؛ فسيتم تجاوز هامش الألف مليار طن خلال فترة زمنية تتجاوز قليلًا عقدًا من الزمن.

وبرغم عيوبها، لم تفشل اتفاقية كيوتو فشلا ذريعا، حسب قول روبرت ستافينز، خبير الاقتصاد البيئي بجامعة هارفارد في كامبردج، ماساشوستس. ويتابع قائلاً: «بدلًا من الحكم على الاتفاقية بسبب خفض الانبعاثات الذي تحقّق، يجب النظر فيما إذا كانت قد وضعت العالم على المسار الصحيح، أم لا».

يقول ستاڤينز: «لا يمكن لأي عاقل أن يتوقع أن نظامًا مناخيًا يعامل الصين كجنوب الصحراء الكبرى الأفريقية، ويستثني 50 بلدًا ناميًا يزيد دخل الفرد فيها عن مثيله في رومانيا، يمكنه أن يكون أكثر من مجرّد خطوة أولى حذرة». ويضيف قائلاً: «ما نحن بحاجة إليه هو ابتكار اتفاقية جديدة ممكنة التحقيق ذات أهداف مُلْزِمَة قوميًّا فيما يتعلق بالانبعاثات، بحيث يمكن لجميع الحكومات أن تعتمدها بواقعية».

ستترك اتفاقية كيوتو إرثًا قيّمًا، حسب قول إيفو دي بور، الأمين التنفيذي السابق لاتفاقية تغير المناخ، ومستشار شركة KPMG العالمية للتدقيق والاستشارات. فالمنهجيات التي وضعت للإبلاغ عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الوطنية والتحقق منها، وتغير استخدامات الأراضي ستكون من العناصر المهمة عند وضع أي معاهدة للمناخ في المستقبل.

وقد تمخّض هذا البروتوكول عن طريقة لتداول (مقايضة) انبعاثات الكربون فيما بين البلدان التي تصل الحدود المسموح بها. والاتحاد الأوروبي هو رائد نظام تداول الانبعاثات الذي بدأ في 2005، ومن الممكن أن يصبح سوق الكربون في يوم من الأيام مرتبطًا عالميًّا بنظام الحدّ الأقصى وتجارة ثاني أكسيد الكربون، حسب قول دي بور.

وهناك عنصر إضافي لاتفاقية كيوتو ـ آلية التنمية النظيفة (CDM) ـ التي وضعت طريقة تمكّن الدول الغنية من الحصول على أرصدة تساعدها على تحقيق أهدافها عن طريق خفض الانبعاثات في البلدان الفقيرة بطرق منخفضة التكلفة. وقد وُجًهت انتقادات إلى آلية التنمية النظيفة، لكونها مثقلة بالنظم البيروقراطية، وأن بعض مشاريع التكنولوجيا النظيفة في البلدان النامية المموّلة من قبل الدول الغربية ربما قد بنيت من دون هذه الآلية. ومع ذلك.. فقد اجتذبت خمسة آلاف مشروع من مشروعات آلية التنمية النظيفة استثمارات تقدّر قيمتها بمائة مليار دولار. وقد تراوحت هذه المشاريع بين توفير المواقد التي تعمل بالطاقة الشمسية للقرويين فى الريف الصيني إلى دعم مزارع الرياح في المكسيك، البالغة قدرتها الإنتاجية 100 ميجاوات.

يرى ڤيكتور أنه «بدون اتفاقية كيوتو لم يكن ليتحقق شيء على الإطلاق» في هذا المجال. ويودّ أن يرى معاهدة بديلة تُصاغ كاتفاقيات التجارة التي توضع بناء على استخدام افتراضات واقعية فيما يتعلق بالالتزامات، وتعتمد العمل المشترك. ويضيف قائلاً: «إن ما سيدفعه أحد البلدان للسيطرة على الانبعاثات يعتمد كثيرًا على ما سيدفعه كذلك منافسوه اقتصاديا». ويتابع بقوله: «يمكن للمعاهدات الأكثر مرونة أن تساعد البلدان على وضع اتفاقيات تعتمد فيها فعلًا على بعضها، حيث تتضاعف جهود أحد البلدان، لأنها تدفع الآخرين لبذل المزيد من الجهد».

اتبع المال

يتفق خبراء سياسة آخرون على وجوب أن تتخذ معاهدة المناخ المقبلة نهجًا أكثر واقعية من «الاتفاقية الإطارية» ومن «بروتوكول كيوتو»، الذي فشل في القضاء على أكبر الملوثات، بسبب اعتماده جزئيًّا مزيجًا من المبررات الأخلاقية والبيئية، بدلاً من المبررات الاقتصادية. يقول بايلكه إن «جعل الطاقة أكثر تكلفة هو مسؤولية سياسية في كل مكان». ويتابع أنه عندما يتعارض خفض الانبعاثات مع النمو الاقتصادي، فلا شكّ أن النمو الاقتصادي هو الذي سينتزع الفوز. لا يوجد حل سحري هناك، ولذلك.. من الأفضل وضع أهداف واقعية غير محكوم عليها بالتصادم مع قوانين السياسة الحديدية.

قالت فالنتينا بوسيتي، مصممة نماذج التأثيرات المناخية بمؤسسة «إيني إنريكو ماتي» في ميلانو، إيطاليا، وجيفري فرانكل، الاقتصادي بجامعة هارفارد، إنه ينبغي تخصيص معدّلات الانبعاثات بالنسبة لجميع البلدان بطريقة تعترف بتكاليف تطبيق اتفاقيات المناخ سياسيًّا واقتصاديًا، وذلك في ورقة نقاش وضعت خلال السنة الماضية2، فالصين ـ على سبيل المثال ـ يجب أن يُطلب منها فقط قبول معدّلات تتمكن من الالتزام بتحقيقها، دون التضحية بتطلعاتها التنموية، كما يجب تحديد أهداف أكثر صرامة للولايات المتحدة. ومع مرور الوقت، سيتم تعديل مستويات الانبعاثات لجميع الأمم تدريجيًّا، وفقًا لصيغة اقتصادية مشتركة.

إن إرفاق تكلفة بإنتاج غازات الكربون ـ من خلال آليات الحدّ الأقصى والمقايضة، أو فرض ضريبة مباشرة على الكربون ـ يساعد بتحفيز التقدّم التكنولوجي لوسائل تقلل انبعاثات الاحتباس. ويكمن التحدي ـ حسب قول بايلكه ـ في وضع السعر الصحيح، وتأكيد وصول العائدات إلى الاستثمارات التكنولوجية.

إن فرض ضريبة معتدلة على الكربون ـ لدى إزالة الوقود الأحفوري من الأرض ـ قد تحقّق نتائج أفضل لتحفيز الابتكار بمجالات التكنولوجية التي تجعل بنهاية المطاف مصادر الطاقة البديلة أرخص من الوقود الأحفوري، كما يقول بايلكه، لكنه نهج يجب أن يكون عالميًّا.

في ورقة حول السياسات3 نُشرت في 2010، دعا بايلكه وبرينز و12 مشاركًا آخرين إلى اتباع نهج أكثر واقعية وتنوعًا، وأقل بيروقراطية من اتفاقية «بروتوكول كيوتو»، بحيث يُفطم الاقتصاد العالمي عن الكربون كمنتج ثانوي؛ للحد من الفقر، وزيادة فرص الفقراء في الحصول على الطاقة.

وتحاول المجموعة رفع التركيز عن ثاني أكسيد الكربون، الذي يتميز بدورة حياة طويلة بالغلاف الجوي، وتركز على خفض انبعاثات الكربون الأسود وغاز الميثان، التي لا يستمر وجودها طويلا. وهذا من شأنه ـ حسب مؤلفي البحث ـ إبطاء الاحترار العالمي بشكل أسرع، وتوفير الوقت للانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون. ويرى الباحثون أيضا أن تتجنب مفاوضات معاهدة الانبعاثات المقبلة مواضيع مثل إزالة الغابات، واستخدام الأراضي، ونوعية الهواء، والتكيف، التي من شأنها أن تعقّد صياغتها كثيرًا.

إن هذا الاتفاق سيأخذ شكله ببطء على مدى سنوات قليلة قادمة. ففي مؤتمر كوبنهاجن عام 2009، فشلت الدول في وضع معاهدة متابعة لـ«بروتوكول كيوتو». ومع ذلك.. ففي السنة قبل الماضية، في ديربان بجنوب أفريقيا، اتفقت البلدان ـ بما فيها الصين والولايات المتحدة ـ على مناقشة معاهدة جديدة بشأن المناخ بحلول عام 2015. وإذا كان للماضي أن يعطي أي إشارة، فإن التفاصيل النهائية لذلك الاتفاق لن تتضح قبل أن يصل المندوبون ـ الذين جافاهم النوم ـ إلى الموعد النهائي لدورة التفاوض النهائية.

تُرى، هل سيتمكن العالم من إيجاد حل لهذه المشكلة المستعصية حتى الآن؟ يقول دي بور ـ الذي ترأس مفاوضات كوبنهاجن غير الناجحة ـ إنه «واثق من ذلك»؛ لكنه ليس مقتنعًا بأنه سيأتي في الوقت المناسب.

  1. Meinshausen, M. et alNature 45811581162 (2009)
  2. Bosetti, V. & Frankel, J. Sustainable Cooperation in Global Climate Policy: Specific Formulas and Emission Targets to Build on Copenhagen and Cancun Discussion paper 2011-46 (Harvard Project on Climate Agreements, 2011).
  3. Prins, G. et alThe Hartwell Paper: A New Direction for Climate Policy After the Crash of 2009 (LSE, 2010).