NATURE | افتتاحيات

الصحافة السيئة

الدور الهام الذي لعبته وسائل الإعلام اليابانية في تفاقم آثار أحد عمليات الخداع

Nature (2012) doi:10.1038/491007b | Download PDF | Published online | English article

من العار أن يتعرض شينيا ياماناكا- الطبيب والباحث الياباني في حقل الخلايا الجذعية، والحائز على جائزة نوبل في الطب لعام 2012- لعمليات تشويه متعمدة عن طريق عدد من التلفيقات وعمليات الخداع التي مارسها هيساشي موريجوشي، العالم الذي ينتسب لمشروع جامعة طوكيو، والذي لفق قصة عن استخدامه لتقنية ياماناكا الخاصة بالخلايا الجذعية المحفزة (iPS) لعلاج مرضى قصور القلب.

والحقيقة أن هذه التغطيات الفقيرة التي قدمتها بعض الصحف والمجلات ذات النوعيات الرديئة، والتي أدت إلى انتشار تلك الأكذوبة، لم تكن بدعا بين التغطيات الصحفية العلمية سواءا باليابان أو بغيرها من الدول. فقد جاء العرض الذي قدمته صحيفة يوميوري "لإنجازات" موريجوشي محبطا ومخيبا للآمال بكل المقاييس؛ كذلك أقرت بعض الصحف الأخرى، بما في ذلك صحيفة نيهون كيزاي، بأنها عرضت لبعض القصص والأخبار غير المحققة عن موريجوشي على مدى العقد الفائت. وإذا أخذنا في الاعتبار الطبيعة العلمية للدراسات المشار إليها، فإننا نصبح بصدد إرهاب يمكن ممارسته عن طريق التغطيات العلمية التي تقدمها وسائل الإعلام؛ ومن ثم نجد لزاما علينا أن نعرض لبعض الخطوات العملية التي يمكن أن تمثل عونا للصحفيين بهذا المجال.

البداية يمكن أن تكون من حيث المطبوعات، حيث يقوم العلماء عادة بنشر النتائج التي توصلوا إليها؛ وهنا نؤكد أن الإحجام عن قراءة ومتابعة هذه المطبوعات العلمية يمثل إنذارا بالخطر؛ فهذه المطبوعات عادة ما تشير إلى المؤسسات العلمية التي ينتسب إليها العلماء، ومن ثم يستطيع الصحفي، إذا ساورته أية شكوك، أن يتحقق من المؤسسة العلمية التي يزعم العالم الانتساب إليها (رسالة الكترونية سريعة لجامعة هارفارد كان يمكن أن توفر على صحيفة يوميوري كثيرا من اللبس الذي وقعت فيه). كذلك تتعرض هذه المطبوعات لأسماء الباحثين المشاركين في التجربة (والتي يمكن من خلالها التحقق من صدق العالم في ادعائه إجراء تجربة ما)، وأسماء الممولين (مما يجعل التحقق من توافر الأدوات والوسائل اللازمة لإجراء التجربة أمرا ميسورا)، فضلا عن التصريحات الناجمة عن تضارب المصالح (والتي تكشف بدورها عن إمكانية وجود أية تحيزات).

وفي هذا السياق أيضا يتوجب على الصحفي التواصل مع باحثين آخرين، من الذين لم يشاركوا العالم موضع البحث دراسته- والذين يمكن الحصول على أسمائهم من ذات المطبوعات- للاستفسار عن دلالات وجدوى هذه الدراسة (وفي حال عدم الحصول على الأسماء اللازمة لعدد من الباحثين من خلال المطبوعات العلمية، فإن عملية بحث بسيطة على الإنترنت كفيلة بأن تقوم بهذا الدور بنجاح)؛ وإذا كان الترفع عن فضل الكلام ولهو الحديث يمثل سمتا عاما في كتابات العلماء، لا سيما علماء أمريكا الشمالية وأوربا، إلا أن الصحفي يستطيع، من خلال علماء آخرين، أن يتبين الغث والثمين جميعا في هذه الكتابات.

لقد أكد موريجوشي، بطبيعة الحال، أنه لم يقم بعد بنشر النتائج التي توصل إليها مؤخرا، الأمر الذي كان ينبغي أن يثير عددا من علامات الاستفهام: لماذا يقدم الرجل على عرض النتائج التي توصل إليها عبر وسائل الإعلام أولا؟ إذا كان بعض العلماء يمتلك من المبررات ما يسوغ لهم الإقدام على مثل هذه الخطوة، فإن موريجوشي، على العكس من ذلك، لا يمتلك أيا من هذه المبررات، ولعل ذلك كان كفيلا بإثارة الدوافع الصحفية للبحث في خبراته العملية ومطبوعاته السابقة؛ لماذا تؤكد السجلات الخاصة بسيرته العملية - والمتاحة على الإنترنت- على ضحالة، وربما عدم خبرته بالمجال الذي ادعى أنه أحدث فيه اكتشافا ثوريا؟ لماذا أعلن أنه يعمل بأحد الأقسام الجامعية المتخصصة في أبحاث وتطبيقات الخلايا الجذعية المحفزة، والذي تبين عدم وجوده من الأساس؟

ثمة سؤال آخر على درجة كبيرة من الأهمية: لماذا كان موريجوشي يستعين دائما بتقنية غير مألوفة وغير متعارف عليها في عيادته؟ عندما تم توجيه هذا السؤال وغيره إلى موريجوشي من خلال مجلة (نيتشر Nature)، لم تزدد الأمور إلا سوءا؛ لماذا رفض موريجوشي، على سبيل المثال، إعطاء أسماء الباحثين الذين شاركوه الدراسة الأخيرة؟ لقد أثارت هذه المحاولات لتجاوز السطح والوصول إلى عمق الحقيقة سيلا من البيانات والتصريحات المبهمة والملتبسة.

عادة ما يفلت الناس بما اقترفوه من حيل ومخادعات، أما في اليابان فيبدو أن ثمة عوامل ثقافية تعني أن الخدعة عادة ما تمر دون الإبلاغ عنها من الأساس؛ فالعلماء اليابانيون لا يميلون لتوجيه النقد لأقرانهم، كذلك فإن سقف الحماية للمبلغين عن الفساد وكاشفي المخالفات منخفض إلى حد كبير، مما يجعل أكثر الناس يحجمون عن ذلك تجنبا للمخاطرة بأعمالهم أو المقامرة بحياتهم المهنية. من ناحية أخرى، تبدو الصحافة اليابانية مهذبة بدرجة مبالغ فيها- ربما لوقوعها تحت وطأة الخوف من الصورة الشهيرة التي يحملها المعلم - وتخشى دائما من إثارة الإسئلة المزعجة؛ كذلك يمثل ضعف ثقة الصحفيين في قدراتهم على التحدث بالإنجليزية واختلافات التوقيت عوائق إضافية أمام الصحافة اليابانية للتواصل مع العلماء بالخارج.

ومما زاد الطين بلة ذلك الوباء الياباني الذي حلً مؤخرا: جنون الخلايا الجذعية المحفزة؛ لقد فرضت النتائج الرائدة التي توصل إليها ياماناكا حالة من الإثارة، مما دفع بوسائل الإعلام إلى أتون سباق محموم لتحقيق السبق في الحصول على أية أخبار جديدة تتعلق بالخلايا الجذعية المحفزة، حتى لو جاء ذلك على حساب مصداقية هذه الأخبار؛ ويزيد من حدة هذا التوجه ذلك التعلق المجنون بتكنولوجيا الخلايا الجذعية المحفزة. فالعديد من القصص الإخبارية تقدم توصيفا لسباق عالمي من أجل ترجمة الأبحاث المتعلقة بالخلايا الجذعية المحفزة إلى تقدم عملي ملموس في مجال الطب، المعركة التي يمكن أن تخسرها اليابان. ويبدو أن هذا هو الوتر الذي لعب عليه موريجوشي، حيث سبق له في عام 2009 أن ندب إمكانية تخلف اليابان في مجال أبحاث الخلايا الجذعية المحفزة ( أحد المراسلات بمجلة نيتشر Nature: ه. موريجوشي وك. ساتو، نيتشر 457، و257؛ 2009)، فضلا عما أكده مراسلو صحيفة يوميوري الذين جمح بهم الخيال إلى تصور وجود نظام تصديق مرن بالولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن يسمح لموريجوشي بمواصلة أبحاثه.

لقد وصل الأمر إلى آماد بعيدة من السخف؛ فالأمر الجيد في تكنولوجيا الخلايا الجذعية المحفزة- والسبب الرئيسي في حصولها على جائزة نوبل- يكمن في إمكانية استخدامها في كل مكان؛ وإذا ارادت اليابان التباهي بالإنجاز الذي تحقق على يد ياماناكا، فعليها الاحتفاء بكافة الإنجازات في كافة أنحاء العالم؛ وإذا أراد الصحفيون أن يتفهموا مدى أهمية ذلك، فعليهم أن يقدموا تطورا جديدا بمنظور دولي.