NATURE | تحقيق إخباري

علم السموم: مُنحنى التعلُّـم

يقول الباحثون إنَّ لجرعات منخفضة جدا من بعض المواد الكيميائية تأثيرات قوية غير متوقعة، لكنَّ المسؤولين لا يقتنعون.

دان فيجِن

Nature (2012) doi:10.1038/490462a | Download PDF | Published online | English article

قُرْبَ نهاية الحياة المغامِرة التي قضاها تجوالاً بين البلدات المحصَّنة بوسط أوروبا، مشتبكًا مع المعالجين بفصد الدَّم والمعالجين المتقيدين بتقاليد ذلك الوقت، كتب طبيبُ القرن السادس عشر سريع الغضب، پاراسيلسوس، مدافعًا عن استخدامه غير التقليدي للزئبق والأفيون وغيرهما من العلاجات ذات الخطورة المحتملة بقوله: «كُلّ الأشياءِ سُموم، ولا يوجد شيء بلا سُمِّيَّة. الجرعة وحدها هي التي تحدد درجة السُّمِّيَّة». وبعد عدة قرون، وبعدما وَجَد الكثير من أفكاره ـ التي اُعتبرت راديكالية في وقت ما ـ قبولا واسعا، تم اختصار رأيه في عبارة بليغة، أصبحت عقيدة أساسية في علم السموم الحديث: «الجُرعة هي التي تصنع السُّم».

التأويل المعاصر لإعلان باراسيلسوس الشهير يشير إلى أن الجُرعة والتأثير يتلازمان خطيًّا بشكلٍ متوقع؛ وبالتالي سوف يفضي التعرض المنخفض للمواد الخطرة دائمًا إلى مخاطر أقل. تلك الفكرة ليست مجرد تجريد فلسفي، بل هي فرضية جوهرية يقوم عليها نظام اختبار السلامة الكيميائية، الذي نشأ بأواسط القرن العشرين. يبحث المُقَيِّمون للمخاطر عادةً عن الآثار السلبية لمركب ما في نطاق واسع من الجرعات العالية، ثم يسْتَقرِئونَ تنازليًا لوضع المعايير الصحية، مفترضين دائمًا ـ كما افترض باراسيلسوس ـ أن الجرعات العالية للسموم الكيميائية أكثر خطورة بكثير من المستويات المنخفضة الطبيعية.

وماذا لو كانت فرضية باراسيلسوس خاطئة؟ وماذا لو كانت الجرعات الأصغر لفئة كبيرة وقوية من المُركَّبات هي التي تُمثّل مخاطرَ أكبر؟ يدَّعي ذلك مؤخرًا عددٌ متزايدٌ من الباحثين الأكاديميين، فيما يخص مجموعة كبيرة من المواد الكيميائية الصناعية التي تتفاعل من مستقبلات الهرمونات الخلوية، وتؤدي إلى اضطرابات في الغدد الصماء. تتراوح تلك المُركَّبات من مبيد الحشائش «أترازين» والملدِّن البلاستيكي بسفينول إيه (BPA) إلى مضاد البكتيريا «ترايكلوسان» Triclosan ومضاد فطريات الكروم «فينكلوزولين» Vinclozolin، وهي لا تتبع القواعد المعتادة في علم السموم. وعلى أساس الاختبار التقليدي للجرعة العالية، وضعت الجهات التنظيمية حدودًا قصوى مسموح بها لكل من تلك المُركَّبات، بافتراض أن أي جرعات أقل من تلك المستويات ستكون آمنة، لكنَّ الباحثين الأكاديميين الذين درسوا نطاقًا أوسع من الجرعات ـ بما فيها جرعات منخفضة للغاية موجودة في البيئة اليومية ـ يقولون إن دراساتهم لا تولِّد دائما منحنيات الجرعة-الاستجابة الرتيبة المألوفة في علوم السموم الكلاسيكية، بل إن معظم مُعَطِّلات الغدد الصماء تَكونُ منحنيات الجرعة والاستجابة فيها غير رتيبة، أي أن المنحنيات تغير اتجاهها على الأقل مرةً واحدة من السالب إلى الموجب أو العكس؛ فتشكل حرف «يو» U، أو حرف «يو مقلوب» أو أشكالاً أكثر غرابة، تشبه تنينًا صينيًّا متموجًا (انظر «منحنيات تثير الفضول»).

يقول فريدريك ڤوم سال، عالم بيولوجيا الأعصاب بجامعة ميسوري- كولومبيا، الذي قرع منذ السبعينات ناقوس الخطر حول مُعطِّلات الغدد الصماء: «نحن نرى أنّ لكلٍّ من تلك المُرَكَّبات التي اختبرناها منحنى غير رتيب. لكل واحد منها!». ويضيف: «تَعمل الجرعات المنخفضة من مُعَطِّلات الغدد الصماء بطرق غير متوقعة تمامًا بحسب المناهج التقليدية لعلم السموم». ويعتقد ڤوم سال وزملاؤه أن الجرعات المنخفضة جدا من تلك المركبات في البيئة تُسهم في مجموعة واسعة من المشكلات الصحية للبشر، بما في ذلك البدانة، والسُكَّري، والسرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والعُقم، وغيرها من اضطرابات النمو الجنسي.

وبرغم ذلك.. لا يزال كثير من علماء السموم غير مقتنعين بذلك، خاصة العاملين منهم في الصناعة أو الحكومة، وقضوا حياتهم المهنية ضالعين بعمق في تقييم المخاطر بالطرق التقليدية، فبالرغم من إقرارهم بأن مُعَطِّلات الغدد الصماء لها سُمِّية مُراوغة وغير طبيعية، إلا أنهم يقولون إن نتائج أبحاث فوم سال ومَنْ يشاركونه الرأي لم تتواتر بشكل كافٍ، فهي تعتمد كثيرا على فحوص غير محَقَّقة، وتُرَكِّز بإفراط على نقاط نهائية، مثل وزن العضو والزوائد ما قَبْل السرطان، وتغيرات نشاط الجينات والبروتينات التي قد لا تشكل تهديدًا فعليًّا كبيرًا. وبحسب لورنز رومبرج، عالم السموم بمؤسسة «جرادينت للاستشارات البيئية» في كمبردج بولاية ماساتشوستس: «إذا كنا سنأخذ الأمر على محمل الجد، فسنحتاج دلائل على ظاهرة حقيقية حدثت بالفعل، بين يدي أكثر من باحث، وبأكثر من اختبار واحد، وسنحتاج نتائج يمكن تكرارها، وتستطيع أن تصمد أمام التدقيق العلمي حول الكيفية التي يمكن بها أن تؤدي إلى تأثيرات صحية يُرادُ تَجَنُّبَها»، على حد تعبير لورنز رومبرج، الذي يعمل أيضًا استشاريًّا حول معطلات الغدد الصماء بمجلس الكيمياء الأمريكي، وهو رابطة لمصنعي المواد الكيميائية.

يُحاجج ڤوم سال وزملاؤه بأن هذا بالضبط هو نوع الدلائل المنهجية الممكن توفرها الآن، وذلك بفضل الطفرة في أبحاث معطلات الغدد الصماء التي تغطي أكثر المُراجعات العلمية شمولا في هذا المجال1 حتى الآن. وقد نُشِرت في شهر مارس الماضي (2012)، حوالي ستمئة دراسة، نُشِرَ أكثر من نصفها خلال الخمس سنوات الماضية. وقد وجدت أدلة موثوق بها عن استجابات غير رتيبة لآثار صحية مع الجرعات المنخفضة لثمانية عشر مُعَطِّلا من مُعَطِّلات الغدد الصماء، بما في ذلك «بسفينول إيه»، و«الأترازين»، و«الفينكلوزولين». تقول لورا ڤاندنبرج، الباحثة بجامعة «تفتس» بمدينة مِدفورد بولاية ماساتشوستس، والمؤلفة الرئيسة لتلك المراجعة: «لقد ظللنا نسمع من منتقدينا أنه لا أمثلة كافية لإثبات أن تلك الظاهرة حقيقية، فاعتبرنا ذلك تحديًا».

يُبْدي المسؤولون الحكوميون في أوروبا والولايات المتحدة اهتمامًا. وتقول ليندا برنبوم مديرة المعهد القومي الأمريكي لعلوم الصحة البيئية (NIEHS) بملتقى «واحة مثلث الأبحاث» بولاية نورث كارولينا: «أجِدُ تقريرَ ڤاندنبرج دامغَ الحُجّة، ومقنعًا جدا». وفي افتتاحية عدد أبريل الماضي (2012) من مجلة «آفاق الصحة البيئية»، جادلت برنبوم بأنه آن الأوان لبدء حوار حول إدماج الجرعات المنخفضة وعلاقات ارتباط الجرعة-الاستجابة غير الرتيبة في قرارات تنظيم وتقنين استخدام هذه المركبات2.

كبر الصورة

في مؤتمر اللجنة الأوروبية العلمية لاضطرابات الغدد الصماء بشهر يونيو الماضي (2012)، فشلت الوفود المشاركة في التوصل إلى إجماع حول أهمية الارتباطات «غير الرتيبة» في منحنى الجرعة-الاستجابة للجرعات المنخفضة، لكنهم اتفقوا بالفعل على أن الأنظمة القائمة يجب أن تكون أكثر صرامة، بحسب بيورن هانسن رئيس وحدة الكيميائيات، التابعة للإدارة العامة للبيئة بالمفوضية الأوروبية. وفي الولايات المتحدة، أبدت وكالة حماية البيئة (EPA) وإدارة الغذاء والدواء (FDA) استعدادًا جديدًا لمناقشة القضية، برغم إعلانهما أن المراجعات التنظيمية الجوهرية ليست على الطاولة حاليًا.

وبحسب بعض المراقبين، لا يرجح حدوث تغيرات كبيرة، طالما كان المجال العلمي شديد الاستقطاب. إن «هناك فجوة كبيرة جدا بين مَنْ يقَيِّمون المخاطر وعلماء الغدد الصماء»، بحسب قول توماس نيلتنر، الذي يدرُس الكيميائيات المضافة للأغذية بمجموعة «پـيو» الصحية، غير الهادفة إلى الربح بالعاصمة واشنطن، وتسعى لإقامة توافق عبر اللقاءات العلمية. ويقول نيلتنر: «نشعر أن الفريقين لا يفهم أحدهما الآخر».

إشارات مُبَكِّرة

طالما استمر الجدل حول الآثار المترتبة على مُعَطِّلات الغدد الصماء، ستجد ڤوم سال دائمًا بمركز الجدل. فذلك الرجل النيويوركي النحيل المتوتر، البالغ من العمر سبعة وستين عاما، يهوى الطيران، ويطير بطائرته (سيسنا) للمؤتمرات العلمية، ولا يخجل من أن يحتدم مع معارضيه أينما حَلَّ. ذُهِلَ ڤوم سال عندما كان زميلًا باحثًا بجامعة تكساس بمدينة أوستن في السبعينات، لدى اكتشافه تأثيرات مستدامة على الفئران، بسبب تغيرات دقيقة بمستويات هرمون الجنس بالرحم. وجد ڤوم سال أن وضع أنثى فأر بين ذكرين في الرحم يؤدي إلى ظهور صفات ذكورية عليها عند البلوغ ـ مثل العدوانية ـ أكثر من الإناث التي أحِيطت بإناثٍ أخريات قبل الولادة. والسبب الظاهر هو: قدر إضافي ضئيل جدا من هرمون الذكورة «تستوستيرون» أفرزته أجنة الذكور المجاورة3.

وبتجريب الهرمونات الطبيعية والاستروجين الاصطناعي (DES) أولا، وجد ڤوم سال أن ذكور الفئران التي تعرضت قبل الولادة لمستويات منخفضة جدا من الاستروجين الاصطناعي كوَّنت غدد بروستاتا أثقل من الفئران غير المُعَرَّضة، مما يجعلها لاحقًا أكثر عُرْضَة لأمراض البروستاتا، بما فيها السرطان. وللغرابة، وجد أن الجرعات العالية من الاستروجين الاصطناعي لا تطلق نفس التأثير4. كان ذلك من أوائل منحنيات الجرعة-الاستجابة غير الرتيبة المرسومة لمُعَطِّلات الغدد الصماء. ومنذ ذلك الحين، تعرَّف ڤوم سال وزميله ويد ويلشونز من ولاية ميسوري على استجابات غير رتيبة مماثلة لمجموعة متنوعة من مُعَطِّلات الغدد الصماء، أجدرهم بالذكر «البسفينول إيه» BPA5، وهو مُكَوِّن منتشر في بلاستيكات البوليكربونات وأغلفة إيبوكسي المستخدمة في تغليف المواد الغذائية.

ساعدت أبحاث ڤوم سال المبكرة في توليد سيل من الاهتمام الدولي بمادة «البسفينول إيه»، بما في ذلك حملة اختتمت بنجاح، قام بها نشطاء بالولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية، لوقف استخدام تلك المادة في عبوات الرضاعة وأكواب الرشف للأطفال. كما ألهمت تلك الأبحاث حشدًا غفيرًا من الباحثين للتنقيب عن تأثيرات ـ موجودة غالبا ـ متصلة بالغدد الصماء في حيوانات تعرضت لمستويات منخفضة من «البسفينول إيه» وأشباه الهرمونات الأخرى. ففي جامعة تفتس ـ على سبيل المثال ـ اشتهرت عالمة بيولوجيا الخلايا آنا سوتو باكتشافها أن التعرض المبكر لـ«بسفينول إيه» قد يغيِّر من تطور الغدد الثديية بالفئران والجرذان، ويحفز نمو مستقبلات هرمون الاستروجين؛ مما يؤدي إلى أورام ما قبل السرطان، وسرطانات غير منتشرة6. وفي إسبانيا، قام عالم بيولوجيا خلايا آخر، يُدعى آنخل نادال، بجامعة ميجيل هيرناندز بمدينة إلشي، بتعريض خلايا بنكرياس آدمية لـ«بسفينول إيه»، ورُسِمت علاقات (ارتباطات) غير رتيبة بين مستويات الجرعة وتغير أيض (ميتابولزم) الجلوكوز، وهو عامل رئيس لمخاطر الإصابة بالسُكرِّي والبدانة7. قفز علماء الوبائيات إلى ساحة النزاع أيضًا، حيث وجدوا ارتباطا بين مستويات الـ«بسفينول إيه» في البول، وبين بدانة الأطفال8، كما ربطوا بين مُعَطِّلات أخرى للغدد الدرقية، وبين فرص الإصابة بالسُّكري9.

لقد رسمت دراساتهم ودراسات آخرين صورة غريبة لعالم اضطرابات الغدد الصماء المختلف عن علم السموم التقليدي، كما تختلف ميكانيكا الكم عن انضباط فيزياء نيوتن. فعندما تتفاعل كميات ضئيلة جدا من الـ«بسفينول إيه» والمُعَطِّلات الأخرى مع مُستقبلات الهرمونات في لحظات حاسمة أثناء النمو، فتنشط، أو تعطل، أو تختطف، أو تعبث بوظائفها الطبيعية، قد تنشأ عن ذلك نتائج تجريبية غريبة، خاصة إذا ألقيت هرمونات أخرى في هذا المزيج.

في جامعة إلينوي بشيكاغو ـ على سبيل المثال ـ زَرَعَت عالمة الفسيولوجيا الإنجابية جيل پرينز غددًا شبيهة بالبروستات ـ نمت من خلايا جذعية بشرية مختلطة بنسيج فأر ـ في صغار الفئران، ثم أعطت بعضها بعد ذلك جرعات صغيرة من «بسفينول إيه». وكلما كبرت الفئران في السن، أعطتهم پرينز جرعات منخفضة من «إستراديول»، وهو هرمون ينتج طبيعيا، ويؤثر أكثر في ذكور البشر مع تقدم أعمارهم، وهو أحد العوامل المعروفة للإصابة بسرطان البروستات. أصيب بين 35% و45% من الفئران التي تعرضت لـ«بسفينول إيه» مع الإيستراديول بسرطان البروستاتا، مقارنة بنسبة 10%من الفئران التي أُعْطَيت فقط إيستراديول. وتذهب نظرية عملها إلى أن الـ«بسفينول إيه» يتحد مع مستقبلات هرمونات الاستروجين في خلايا البروستات الجذعية، ويعيد برمجة الجينات على نحو يجعل الخلايا أكثر استجابة للإيستراديول لاحقًا. تقول جيل پرنز: «الجدير بالملاحظة أننا نعمل بجرعات منخفضة جدا، هي بالتأكيد ضمن نطاق التعرض الطبيعي للإنسان». وتعتزم جيل پرنز أن تنشر نتائجها في أوائل عام 2013، بمجرد أن تنتهي من تجميع بيانات أكثر.

ويستطيع التفاعل بين أنماط آليات المستقبلات توليد علاقات غريبة بين الجرعة والاستجابة، الكثير منها لا يزال يجري ترسيمه. في أوائل شهر أكتوبر (2012)، نشر فريق ڤوم سال بميسوري أول منحنى جرعة-استجابة مكتملاً غير رتيب لمُكَوِّن واسع الاستخدام في البلاستيك، يسمى داي(2 -إيثيل هكسيل) فثالات10 (DEHP). عرَّض فريق ميسوري 78 من إناث الفئران الحوامل لنطاق واسع جدا من جرعات (DEHP) ابتداءً من نصف ميكروجرام لكل كيلو جرام من وزن الجسم يوميًا، وصولاً إلى 500 ألف ميكروجرام. ووجدوا أن مستويات هرمون تستوستيرون للحيوان ترتفع وتنخفض بطرق مفاجئة، وتغير النمو الجنسي بحسب الجرعة المتلقاة. فلدى ذكور الذرية، مثلاً، أظهر منحنى الجرعة-الاستجابة شيئًا يشبه جبلاً صخريًّا متعرجًا. ارتفعت مستويات التستوستيرون في مصل الدم عند مستوى الجرعات بين صفر و0.5 ميكروجرام، ثم انخفضت نوعا ما عند مستوى 1، ثم أخذت في الارتفاع ثانية بين 5 و500 ميكروجرام، ثم انخفضت مرة أخرى عند 50 ألفًا، لتنخفض تماما عند مستوى جرعة 500 ألف ميكروجرام. كانت أعلى جرعة في الواقع مطابقة لنتائج العينات الضابطة غير المُعَرَّضَة. ولأجل تفادي طريق آخر محتمل للهجوم عليه من منتقديه، أجرى ڤوم سال تحليلا إحصائيًّا (لاختبار جودة المطابقة) لإثبات أن المنحنى غير الرتيب هو الأكثر مطابقة لبياناته.

يقول ڤوم سال إن الآلية البيوكيميائية وراء غرابة منحنى جرعة-استجابة (DEHP) مجهولة، وتنتظر مزيدًا من الدراسة، لكن الباحثين توصلوا إلى أسباب محددة وراء منحنيات أخرى غير رتيبة. وأحد أفضل الأمثلة المفهومة يَخُص عَقارًا للعلاج الكيميائي (ليس ملوثًا بيئيًّا) يُسَمَّى تاموكسوفين، يرتبط بمستقبلات الاستروجين بخلايا الثدي، له منحنى جرعة-استجابة يشبه حرف «يو» U المقلوب. وتأثير جرعاته المنخفضة جدا ضعيف على الخلايا السرطانية. وكلما تراكم العَقار في أنسجة الثدي، فإنه في الواقع يحفز نمو الورم، مسببًا فترة آلام للمرضى. وإذا ما أصبحت مستويات التاموكسوفين مرتفعة بما يكفي لشَغل مُعْظَم مستقبلات هرمون الاستروجين المتاحة، ينعكس عنذئذ التأثير؛ فيبدأ العقار في تثبيط نمو الخلايا السرطانية. يقول توماس زويلر، الباحث بجامعة ماساتشوستس بأمهيرست، الذي يدرس تأثيرات معطلات الغدد الصماء على الغدة الدرقية: «كل هذا معروف تماما لعلماء الغدد الصماء»، ويضيف قائلاً: «إن منحيات الجرعة والاستجابة غير الرتيبة هي حقيقة من حقائق الحياة».

في عام 2009، حدثت نقطة تحول من خلال بيان علمي أصدرته «جمعية الغدد الصماء» بمدينة تشيڤي تشيس بمَريلاند، وهو الأول من نوعه عبر تاريخها الممتد 95 عامًا، حيث أطلقت الجمعية على مُعَطِّلات الغدد الصماء أنها «مَبْعَثُ قلق كبير على الصحة العامة»، وأيَّدَت إصدار قوانين أكثر صرامة، وأقرت بأهمية الاستجابات غير الرتيبة، وأعلنت أن المستويات متناهية الصغر من التعرض، أو أي مستوى من التعرض ـ على الإطلاق ـ قد يسبب اضطرابات في الغدد الصماء، أو في الخواص الإنجابية11. ثم انضمت سبع هيئات علمية إلى جمعية الغدد الصماء في رسالة إبداء قلق، نُشِرَت العام الماضي بمجلة ساينس12 Science. يقول عالم البيولوجيا الجزيئية المخضرم، بروس بلومبرج، بجامعة كاليفورنيا بمدينة إرفاين: «لا يمكن أن تشكل تيارًا رئيسًا على نحو أكثر من ذلك. لقد غيّرت هذه الجهود طبيعة اللعبة».

الإخضاع للفحص

يقول المنتقدون إن مجرد وجود استجابات غير رتيبة وتأثيرات للجرعات المنخفضة ليس مهمًّا، بل المهم مدى بواعث القلق الصحية. «نعم هناك علاقات جرعة-استجابة غير رتيبة، لكن السؤال: هل لها دلالة في السُّمية؟» هكذا يتساءل جيسُـن أونجست، الذي يعمل عالم سموم مُشْرِفًا بمركز سلامة الغذاء والتغذية التطبيقية بمدينة سيلفر سبرينج بولاية مَريلاند، التابع لإدارة الغذاء والدواء. ويجادل أونجست ومعه عالم السموم البارز، إيرل جريه، بوكالة حماية البيئة (EPA) بأن الآثار الصحية للجرعات المنخفضة التي حدَّدها ڤوم سال وسوتو وآخرون لا تزال نادرة نسبيا، ولم يتم ربطها بشكل قاطع بمشاكل صحية كبيرة. وبحسب جريه، فإن تأثيرات الجرعات المنخفضة الأوضح ـ كتشوهات الأعضاء ـ تكون عادة رتيبة، ويمكن تحديدها في إطار البروتوكولات الحالية للاختبارات المُنَظِّمة. ويضيف: «لا يمكن القول بانعدام علاقات الجرعة-التجربة غير الرتيبة، لكن بالنسبة إلى تقييم المخاطر، فنحن حقا لم نطلع على دراسات عالية الجودة».

ويعود الشقاق بهذا المجال جزئيًّا إلى اختلاف اختبارات الباحثين الأكاديميين عن اختبارات مُقَيِّمي المخاطر. وهناك مختبرات خاصة كثيرة، تتعاقد معها الشركات المُصنِّعة لتحصيل موافقة قانونية على منتجات جديدة، تفتقر إلى تجهيزات إجراء فحوص المناعة الإشعاعية اللازمة لقياس التركيزات الكيميائية المنخفضة للغاية. كما لا تهتم تلك المعامل الخاصة بنظر التغيرات البيوكيميائية المركبة، كتغير مستويات البروتين، وهي الآن جزء من أدوات قياسية يستخدمها الباحثون، أمثال زويلر، وسوتو، وڤوم سال. وبدلاً من ذلك.. أصبحت الاختبارات الاسترشادية المطلوبة رسميًا فحوصًا قياسية بسيطة قابلة للتكرار، تستخدم عددًا أكبر من حيوانات التجارب، وتسعي بصفة عامة إلى تحديد مشاكل صحية أوضح، كالسُّمية الحادة، والسرطان، والتشوهات الخلقية. تقول روشيل تايل، عالمة سُمِّيَّات النمو بشركة (RTI International) بواحة مثلث الأبحاث، التي تجري بحوثًا لعملاء، كالوكالات الحكومية والصناعات الكيميائية: «نحن نتحقق من صحة دراساتنا. أما الباحثون الأكاديميون، فلا يتحققون». وتضيف قائلةً: «هذا لا يعني أنهم على خطأ، بل يعني فقط أنهم يقومون بأبحاث لم يتم التحقق من صحتها».

وحتى عندما تتعاقد الحكومة أو الصناعة مع علماء للبحث عن تأثيرات الجرعات المنخفضة، فإنهم في أغلب الأحيان لا يجدون شيئًا. وعلى سبيل المثال.. قام كل من تايل13التي أجرت دراسات لصالح مجموعتين صناعيتين، وجريه14 باختبار جرعات منخفضة من «بسفينول إيه»، دون أن يجدا تأثيرات قوية تطورية، كالتي تعرَّف عليها ڤوم سال وپرنز وآخرون. واجه ڤوم سال وحلفاؤه ذلك بأن دراسات تايل وجريه لم تكن حساسة لتأثيرات الجرعات الصغيرة، لأن العينات الضابطة الإيجابية من الحيوانات التي تم إعطاؤها إستراديول فقط، تعرضت لجرعات مرتفعة جدا. أصبح الشقاق شديدًا وجهارًا، فيظهر في المؤتمرات العلمية، وفي سلسلة لا تبدو لها نهاية من مقالات حادة اللهجة بالمجلات، على شكل دحض، ودحض مضاد، ثم دحض الدحض المضاد. واحتدم الجدل، لدرجة أن توقفت تايل عن إجراء أبحاث على «بسفينول إيه». تقول تايل: «لقد توقفت عن دراسة «بسفينول إيه»، عندما أصبح الموضوع شخصيًّا، وليس علميًّا»، وأضافت: «تحول الأمر إلى سياسة، وتلويح بالرايات».

لم تغير إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، ولا وكالة حماية البيئة معايير تقييم مخاطر «بسفينول إيه»، بسبب دراسات تايل وجريه، إلى حد كبير. ولا تزال إدارة الغذاء والدواء تقول إن «بسفينول إيه» ليست له آثار سلبية في مستويات أقل من 50 مليجرامًا يوميا لكل كيلوجرام من وزن الجسم، وهو مستوى يدَّعي ڤوم سال أنه يجب أن يكون فعليا أقل بمليوني مرة من ذلك، عند مستوى 25 نانوجرامًا. وكلتا الوكالتان تتعاونان الآن على دراسة أكبر بكثير، تهدف إلى تسوية ذلك النزاع. وتُمَثل الدراسة التي أطلقتها الولايات المتحدة بتكلفة عشرين مليون دولار ـ بقيادة المعهد القومي لعلوم الصحة البيئية (NIEHS) والمركز القومي لأبحاث السموم (NCTR) التابع لإدارة الغذاء والدواء ـ الجهد الأكثر طموحًا من أي وقت مضى؛ لبحث منحنيات الجرعة-الاستجابة غير الرتيبة، التي تتضمن جرعات منخفضة جدا. في الشهر الماضي، بدأ باحثون في إطعام حوالي ألف فأر باليد مادة الـ«بسفينول إيه» عند مستويات جرعة تتراوح بين 2.5 ميكروجرام لكل كيلوجرام وزن، و25 ألف ميكروجرام، إضافة إلى مجموعتين ضابطتين إيجابيتين (تتلقيان جرعات من إستراديول أقل كثيرًا من جرعات تايل وجريه) وعينة ضبط غير مُعَرَّضَة. وسوف يشارك ڤوم سال وزويلر وآخرون في تحليل الأنسجة، بما يتيح لهم البحث عن آثار صحية ـ كتغيرات الأيض بالبروستات والغدد الثديية ـ تتجاوز كثيرًا تلك الموجودة في البروتوكولات التنظيمية القياسية.

ومع عدم توقع أن تظهر نتائج تلك الدراسة الضخمة قبل خمس سنوات على الأقل، فإن مراجعة واسعة للوائح تنظيم الكيميائيات؛ لتأخذ في الاعتبار تأثير الجرعات المنخفضة غير الرتيبة، تظل بعيدة المنال. وينبغي على المفوضية الأوروبية الوفاء بالتعهد الذي أخذته على نفسها بصياغة أولية لأول معايير رسمية تُعَرِّف اضطرابات الغدد الصماء بحلول ديسمبر 2013. وبدون إجماع علمي حول هذه القضية؛ قد تنتهي تلك المعايير إلى التعامل مع تأثيرات الجرعات العالية فقط، كما يتوقع أندرياس كورتنكامب، عالم سموم بجامعة برونيل البريطانية بمدينة أوكسبريدج، الذي يقدم استشاراته إلى المفوضية الأوروبية. وفي الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، شكلَّت وكالة حماية البيئة وإدارة الغذاء والدواء مجموعة عمل مشتركة لاستعراض الأدلة المتراكمة المنشورة والمحكّمة من الأوساط العلمية. تقول ريتا شويني، مستشارة علمية بارزة بوكالة حماية البيئة بواشنطن: «لا يمكن القول بأن هيئة المحلفين لا تزال تتداول، فالمحلفون لم يعطوا بعد الفرصة للنظر في الأدلة».

لقد قرر بعض قدامى العاملين في هذا المجال عدم الانتظار، وهم يتعاونون بينهم فيما قد يرقى إلى محاولة تخطي النظام الرقابي الرسمي. وقد قاموا بكتابة ورقة15 ـ ستنشر في شهر يناير 2013 بـ«مجلة الكيمياء الخضراء» ـ تقدم مشورة تفصيلية للكيميائيين الذين يعملون في الصناعة عن كيفية فحص المركبات المخلَّقة حديثا لبحث وجود تأثيرات لها علاقة بالغدد الصماء، وكيفية إجراء الاختبار على مستويات منخفضة جدا، وكيفية البحث عن منحنيات الجرعة-الاستجابة غير الرتيبة. وتهدف تلك الورقة، وموقع الإنترنت المصاحب لها، إلى تجنب وصول مُعَطِّلات الغدد الصماء ـ التي قد تكون ضارة ـ إلى الأسواق. ويأمل ڤوم سال أن تكون الفائدة المضافة هي زيادة الضغط على الهيئات التي تسنّ اللوائح المنظمة؛ للحد من التعرض للمركبات الموجودة بالفعل في الأسواق. تقول ڤوم سال: «نحن نقول إذا كنتم تهتمون بتطوير مركب كيميائي آمن، فهذا ما ينبغي لكم القيام به»، وتضيف: «من يستطيع أن يجادل حول سلامة ذلك؟».

  1. Vandenberg, L. N. et al. Endocr. Rev. 33, 378–445 (2012)
  2. Birnbaum, L. S. Environ. Health Persp. 120, 143–144 (2012).
  3. vom Saal, F. S. & Bronson, F. H. Biol. Reprod. 19, 842–853 (1978)
  4. vom Saal, F. S. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 94, 2056–2061 (1997)
  5. Welshons, W. V., Nagel, S. C., Thayer, K. A., Judy, B. M. & vom Saal, F. S. Toxicol. Indust. Health 15, 12–25 (1999)
  6. Murray, T. J., Maffini, M. V., Ucci, A. A., Sonnenschein, C. & Soto, A. M. Reprod. Toxicol. 23, 3838–3390 (2007)
  7. Alonso-Magdalena, P., Morimoto, S., Ripoll, C., Fuentes, E. & Nadal, A. Environ. Health Perspect. 114, 106–112 (2006)
  8. Trasande, L., Attina, T. M. & Blustein, J. J. Am. Med. Assoc. 308, 1113–1121 (2012)
  9. Lee, D. H. et al. Environ. Health Persp. 118, 1235–1242 (2010)
  10. Do, R. P., Stahlhut, R. W., Ponzi, D., vom Saal, F. S. & Taylor, J. A. Reprod. Toxicol. http://dx.doi.org/10.1016/j.reprotox.2012.09.006 (2012)
  11. Diamanti-Kandarakis, E. et al. Endocr. Rev. 30, 293–342 (2009)
  12. American Society of Human Genetics et al. Science 331, 1136 (2011)
  13. Tyl, R. W. et al. Toxicol. Sci. 104, 362–384 (2008)
  14. Ryan, B. C., Hotchkiss, A. K., Crofton, K. M. & Gray, L. E. Jr Toxicol. Sci. 114, 133–148 (2010)
  15. Schug, T. T., O’Brien, K. P & Myers, J. P. Green Chem. (in the press)